ابراهيم بن عمر البقاعي
378
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مهما فعله منه صح ومضى ، ثم كان خليفة في جميع الأرض حقيقة بالفعل بابنه سليمان عليه السّلام فاستوفى الإطلاق وَآلُ * المكملة أقصى ما يراد منه ، إعلاما بأن كلام القدير كله كذلك وإن لم يظهر في الحالة الراهنة ، وذلك كما أن المنزل عليه هذا الذكر وبسببه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كان خليفة بالفعل في أرض العرب التي هي الأرض كلها ، لأن الأرض دحيت منها ، وبيتها أول بيت وضع للناس ، وهو قيام لهم ، ومنه انبسط القيام بالنور والعدل على جميع الأرض وفي جميع الأرض بالقوة بمعنى أنه مهما حكم به فيها مضى ، فقد أعطى تميما الداري رضي اللّه عنه أرض بلد الخليل من بلاد الشام قبل أن يفتح وصح ونفذ ، وأعطى شويلا رضي اللّه عنه بنت بقيلة من أهل الحيرة وصح ذلك ونفذ وقبض كل منهما عند الفتح ما أعطاه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم يكون خليفة في جميع الأرض بالفعل بخليفته الذي أيده اللّه به في دينه عيسى عليه السّلام الذي هو من ذرية داود عليه السّلام ثم في جميع الوجود يوم القيامة يوم الشفاعة العظمى يوم يكون الأنبياء كلهم تحت لوائه ، ويغبطه الأولون والآخرون بذلك المقام المحمود . ولما تمت النعمة ، سبب عنها قوله : فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ أي الذين يتحاكمون إليك من أي قوم كانوا بِالْحَقِّ أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع . ولما كان أعدى عدو للإنسان نفسه التي بين جنبيه لما لها من الشهوات ، وأعظم جناياته وأقبح خطاياه ما تأثر عنها من غير استناد إلى أمر اللّه ، قال مشيرا بصيغة الافتعال إلى أنه سبحانه عفا عن الخطرات ، وما بادر الإنسان الرجوع عنه والخلاص منه توبة إلى اللّه تعالى : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى أي ما يهوي بصاحبه فيسقطه من أوج الرضوان إلى حضيض الشيطان ، ثم سبب عنه قوله : فَيُضِلَّكَ أي ذلك الاتباع أو الهوى لأن النفس إذا ضربت على ذلك صار لها خلقا فغلب صاحبها عن ردها عنه ، ولفت القول عن مظهر العظمة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى تعظيما لأمر سبيله ، وحثا على لزومه والتشرف بحلوله ، فقال : عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي طريقه التي شرعها للوصول إليه بما أنزل من النقل المؤيد بأدلة ما خلق من العقل ، ولا يوصل إليه بدونها لأن اتباعه يوجب الانهماك في اللذات الجسمانية ، والإهمال لتكميل القوى الروحانية ، الموصلة إلى السعادة الأبدية ، فإن دواعي البدن والروح متضادتان فبقدر زيادة إحداهما تنقص الأخرى . ولما كانت النفس نزاعة إلى الهوى ، ميالة عن السوى ، قال معللا للنهي مؤكدا لما للنفس من التعللات عند المخالفة بالكرم والمغفرة الدافع للعذاب : إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ